الشيخ محمد الصادقي

386

البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن

6 - وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ سلطويا لتحقيق شرعة اللّه وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ أولئك المستضعفين ما كانُوا يَحْذَرُونَ وذلك يشمل كل فراعنة التاريخ : " وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ " ( 21 : 105 ) " وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ " ( 24 : 55 ) " وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ " . 7 - وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ بعد ولادته العجيبة فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ من البأس الفرعوني فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ في محفظة عن غرقه وَلا تَخافِي غرقا ولا قتلا وَلا تَحْزَنِي بعدا ف إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ كما رده إليها وجعله رسولا . 8 - فَالْتَقَطَهُ كلقطة ضالة أنشدوها غنيمة آلُ فِرْعَوْنَ وهم على نظّارة الشاطئ لِيَكُونَ دون قصدهم لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً كما كان ، إذ إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وزيره وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ في كل تصوراتهم وأعمالهم ، ومنها ذلك الالتقاط خلاف ما يأملون . 9 - وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ المؤمنة ولها بارقة الإيمان ، هو قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ إذ ليس لنا ولد نستأنس به لا تَقْتُلُوهُ مما يلمح أنهم كانوا يقصدون قتله عَسى أَنْ يَنْفَعَنا في ملكنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وإن لم ينفعنا ، وذلك إذ " أَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي " ( 20 : 39 ) وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ما ذا يكون . 10 - إذا وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى قلبها المتفئد بنار الهجران على نور العرفان والإيمان فارِغاً خاليا عن كل تعلق إلا بموسى لحد إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ أنه ولدها لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بنا ، أن نحفظه بعد إيمانه بنا عبودية فإن الإيمان درجات ، كما أن الكفر دركات ، وبين مطلق الإيمان والكفر متوسطات هي فيها . 11 - وَقالَتْ لِأُخْتِهِ أخت موسى قُصِّيهِ اتباعا لأثره نحو القصر الفرعوني فَبَصُرَتْ بِهِ بصيرة إضافة إلى بصر عَنْ جُنُبٍ بعد وَ الحال أن هُمْ لا يَشْعُرُونَ بصارتها المراقبة ، وما ذا يصير مسيره ومصيره . 12 - وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ موسى الْمَراضِعَ مصدرا وزمانا ومكانا مِنْ قَبْلُ ما بصرت به أخته ومن قبل ولادته ، ولذلك لم يقبل أية مرضعة فَقالَتْ أخته لهم هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ رضاعة وتربية وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ كما يراد من كمال التربية الصالحة للبلاط الفرعوني . 13 - فقبلوا اقتراحها فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ به عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وأن يرتضع منها كما أراد اللّه وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ " إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ " وما أشبه وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ الناس لا يَعْلَمُونَ حق الوعد الرباني ، جاهلين أو متجاهلين . وهكذا نرى إرادة اللّه لإحقاق الحق وإبطال الباطل ، ولو كره المشركون ، شرط عمل أهل الحق ضد عمالة الباطل كما يقدرون " لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ " ( 8 : 8 ) .